في كل علاقة عمل مستقرة، لا يكفي أن نؤكد “جواز إنهاء العقد” أو “حماية الاستقرار الوظيفي”، بل نحتاج إلى قاعدة توازن تمنع التعسف، وفي الوقت نفسه لا تُحوّل العقد إلى قيدٍ لا يُفك. هنا تأتي المادة (77) من نظام العمل بصياغة عملية: الإنهاء ممكن، لكن الإنهاء غير المشروع له أثر تعويضي محسوب.
وأهم ما يميز المادة (77) أنها تبدأ من مبدأٍ واضح: الأصل هو ما يتفق عليه الطرفان. فالنظام يفتح المجال لأن يُدرج في العقد تعويضٌ محدد عند الإنهاء غير المشروع بحسب ما يراه الطرفان مناسبًا، بما يحقق وضوحًا مسبقًا ويقلل مساحة النزاع لاحقًا. وهذا يعكس فهمًا لطبيعة سوق العمل: الاتفاق المسبق يرفع اليقين، ويجعل التوقعات متقاربة، ويحدّ من “المفاجآت” عند الخصومة.
لكن إذا لم يوجد هذا الاتفاق، فإن المادة لا تترك الطرف المتضرر بلا معيار؛ بل تنتقل مباشرة إلى قاعدة تعويض افتراضية تُحسب وفق نوع العقد: ففي العقود غير محددة المدة يُحتسب التعويض على أساس مدة الخدمة، وفي العقود محددة المدة يكون التعويض في جوهره مرتبطًا بما تبقى من مدة العقد.
ثم تأتي اللمسة الأهم التي تمنح النص ثقله العملي: الحد الأدنى. فقد قررت المادة أن التعويض لا ينزل—في جميع الأحوال—عن أجر شهرين. وهذه ليست عبارة شكلية، بل ضمانة تقطع الطريق على أن يتحول التعويض إلى مبلغ ضئيل في العقود القصيرة أو في الحالات التي لا تعكس فيها المعادلة وحدها الأثر الحقيقي للإنهاء المفاجئ. لذلك يُفهم هذا الحد الأدنى على أنه “شبكة أمان” تُكمّل المعادلة وتُحقق الحد المعقول من جبر الضرر.
ومن زاوية التطبيق، اتجهت بعض الأحكام إلى ترسيخ هذا الفهم: أن شهرين أجر يمثلان حدًا أدنى يُعمل به عند عدم الاتفاق أو متى ما كان الناتج أقل، باعتباره الحد الذي قصده المنظم لضمان حد أدنى من العدالة التعويضية.
الخلاصة: المادة (77) لا تصنع انحيازًا لطرف بقدر ما تصنع معادلة اتزان. هي تقول ببساطة: اتفقا إن شئتما على تعويض واضح، وإن لم تتفقا فهناك معيار نظامي وحد أدنى لا يُترك المتضرر دونه. وبهذا تتحول الخصومة من “جدل مفتوح” إلى “تعويض قابل للحساب”، وهو ما تحتاجه سوق العمل بقدر حاجتها إلى المرونة.


No comment