ليست العدالة في صدور الحكم فحسب، بل في توقيته أيضاً، فالقضية التي تنتهي بعد سنوات طويلة قد تكون – من الناحية الشكلية – حققت العدالة، لكنها من الناحية الواقعية أرهقت أطرافها واستنزفت أعمارهم ومواردهم. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتكرر في أروقة المحاكم ومجالس القانونيين: متى تكون مدة التقاضي ضمانة لحسن الحكم، ومتى تتحول إلى ضرر يمس جوهر الحق؟
الأصل أن التدرج في مراحل التقاضي وتعدد درجاته لم يُشرّع لإطالة النزاع، بل لتحقيق أعلى درجات التحقق من الوقائع وسلامة تطبيق النص النظامي، فالتأني في نظر الدعوى يتيح تمكين الخصوم من عرض دفوعهم، واستكمال البينات، ومنح القاضي الوقت الكافي لتكوين قناعته، ولهذا كان تعدد درجات التقاضي إحدى أهم ضمانات العدالة، لأنه يفتح باب المراجعة والتصحيح ويحد من احتمالات الخطأ.
لكن الوجه الآخر للصورة يظهر حين يصبح الزمن نفسه عبئاً على الحق، فهناك حقوق بطبيعتها لا تحتمل الانتظار؛ كالنفقات، والأجور، والتعويضات المرتبطة بمصدر رزق، والنزاعات التجارية التي يتوقف عليها استمرار النشاط، في مثل هذه الحالات، قد يتحول طول أمد التقاضي إلى ضرر مستقل، لأن القيمة الاقتصادية للحق تتآكل مع الوقت، وقد يفقد الحكم أثره العملي رغم سلامته القانونية.
النظام القضائي السعودي أدرك هذه الإشكالية، فتبنى أدوات إجرائية تهدف إلى تحقيق التوازن بين سرعة الفصل وضمان جودة الحكم، فهناك مسارات للتقاضي المستعجل، وأحكام للنفاذ المعجل، واستخدام متزايد للتقاضي الإلكتروني، وتحديد مواعيد للجلسات بشكل أكثر انضباطاً، وكلها تسعى إلى تقليص الزمن دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة.
ومع ذلك، فإن مدة التقاضي لا ترتبط بالمحكمة وحدها، فالخصوم أنفسهم قد يكونون سبباً في إطالة النزاع؛ بطلبات التأجيل المتكررة، أو تقديم دفوع شكلية لا تؤثر في موضوع الدعوى، أو عدم إحضار البينات في وقتها، وهنا يتحول الوقت إلى أداة ضغط قانونية، يستخدمها أحد الأطراف لإرهاق الطرف الآخر ودفعه إلى التسوية، وهو ما يتعارض مع فكرة العدالة القائمة على المساواة بين الخصوم.
في القضايا التجارية تحديداً، يظهر أثر الزمن بوضوح أكبر، فالنزاع الذي يمتد لسنوات قد يعني توقف مشروع، أو فقدان شراكة، أو تجميد أموال. لذلك اتجهت كثير من الأنظمة الحديثة إلى تفعيل الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، كالتحكيم والوساطة، لتكون طريقاً أسرع للفصل في الخصومات دون المرور بكل مراحل التقاضي التقليدي.
ومع كل ذلك، لا يمكن اختزال العدالة في سرعة الحكم، فالحكم السريع الخاطئ ليس عدالة، كما أن الحكم الصحيح المتأخر قد يفقد جزءاً من قيمته، العدالة الحقيقية تكمن في تحقيق المعادلة الصعبة: وقت كافٍ للفصل الصحيح، دون أن يتحول الزمن إلى وسيلة لإهدار الحقوق.
في النهاية، مدة التقاضي ليست رقماً زمنياً بقدر ما هي مؤشر على كفاءة المنظومة القضائية وتوازنها، فحين يُستخدم الوقت للتحقق من الحق فهو ضمانة، وحين يصبح عائقاً أمام الوصول إليه فهو ضرر، وبين هذين الحدين تتحرك العدالة، باحثة دائماً عن نقطة التوازن التي تحفظ الحقوق وتمنحها في الوقت الذي ما زالت فيه ذات قيمة.


No comment