يكثر في الآونة الأخيرة الحديث عن نظام الوساطة العقارية وما تضمّنه من ضوابط جديدة لتنظيم هذا القطاع الحيوي، غير أن كثيرين — للأسف — يتناولون بعض أحكامه بغير علم، فيشيع بينهم أن النظام فرض عقوبات مشدّدة على الوسطاء الذين لا يوثقون عقودهم. والحقيقة أن النظام لم يذهب إلى فرض العقوبة، بل إلى ما هو أعمق منها وأشد أثرًا.
فالنظام نصَّ صراحة على أن عقد الوساطة يجب أن يكون مكتوبًا، وأن يودع الوسيط نسخة من العقد لدى الهيئة العامة للعقار، وأنه لا يُحتج بالعقد إلا بعد هذا الإيداع.
أي إن الوسيط الذي لا يودع عقده لا يستطيع — نظامًا — المطالبة بعمولته أو الاحتجاج بحقوقه أمام الجهات المختصة، مهما كانت جهوده في إتمام الصفقة.
وهذا ليس جزاءً عقابيًا بقدر ما هو إجراء تنظيمي صارم يهدف إلى حفظ الحقوق، وتنقية السوق من الممارسات غير النظامية، وضمان الشفافية بين الأطراف. فالكتابة والإيداع هنا ليسا ترفًا إداريًا، بل شرطًا جوهريًا لصحة العلاقة القانونية بين الوسيط وعميله.
لقد أراد المشرّع من هذا النص أن يوجّه الوسطاء إلى الالتزام لا خوفًا من العقوبة، بل حرصًا على حقوقهم. فالعقد الموثق والمودع لدى الهيئة هو وحده الذي يحمي الوسيط، ويمنحه سندًا قانونيًا لا يقبل الجدل أو الإنكار.
ختامًا، يمكن القول إن النظام لم يُشدد ليُعاقب، بل ليُنظّم؛ ولم يُضيّق ليُقصي، بل ليحفظ الحقوق.
فليت كل وسيط يدرك أن حقه لا يُصان بالكلام، بل بالكتابة والإيداع.


No comment