أعطيته المال ووعدني بالسداد، وحان الموعد ولم يسدد، هل أبلغ عنه بالاحتيال؟
سؤال يتكرر كثيرًا، وربما يعود ذلك إلى خلط شائع بين أمرين مختلفين تمامًا: أن يكون لك دين لم يُسدد، وأن يكون مالك قد أُخذ منك بطريق الاحتيال، فليس كل مدين متأخر في السداد محتالًا، وليس كل إخلال بعقد جريمة. قد يشتري شخص بضاعة، أو يحصل على خدمة، أو يقترض مبلغًا، ثم يتعثر أو يمتنع عن الوفاء بالتزامه. هنا نحن -في الأصل- أمام علاقة مالية وحق يمكن المطالبة به بالطرق النظامية، ولا يتحول التأخر في السداد وحده إلى جريمة لمجرد أن الدائن تضرر منه، لكن الصورة تبدأ في التغير عندما نعود إلى لحظة الحصول على المال، هل حصل عليه الشخص نتيجة تعامل حقيقي، ثم طرأت مشكلة في الوفاء؟ أم أن المال لم يكن ليُسلّم إليه أصلًا لولا معلومات كاذبة، أو مستندات غير حقيقية، أو مشروع وهمي، أو صفة ادعاها، أو واقعة اختلقها لإقناع الطرف الآخر بتسليمه المال؟
هنا يكمن الفارق، فنظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة لا يجرم مجرد عدم السداد، وإنما يجرم الاستيلاء على مال الغير دون وجه حق بطرق احتيالية، ومنها الكذب والخداع والإيهام. ولذلك فإن السؤال في قضايا الاحتيال لا ينبغي أن يبدأ من النهاية:(لماذا لم يسدد؟)، وإنما من البداية: (كيف حصل على المال؟)، وهناك أيضًا خطأ آخر يقع فيه البعض، وهو الاعتقاد بأن وجود عقد أو سند أو تحويل بنكي يعني بالضرورة أن القضية مدنية أو تجارية ولا يمكن أن تكون احتيالًا، وهذا غير دقيق؛ فالعقد قد يثبت وجود التعامل، لكنه لا يحسم وحده حقيقة الطريقة التي حصل بها أحد الطرفين على المال. وفي المقابل، مجرد الإخلال بالعقد لا يكفي لتحويل النزاع إلى قضية جنائية، وتوجد صورة ثالثة تختلف عن الاثنين: أن يُسلَّم المال إلى شخص بصورة مشروعة على سبيل الأمانة أو الوكالة أو الشراكة أو غيرها، ثم يستولي عليه أو يتصرف فيه بسوء نية. وهنا قد نكون أمام خيانة أمانة، لا أمام مجرد دين متأخر ولا بالضرورة أمام احتيال وقع منذ البداية، لهذا فإن وصف القضية لا يتوقف على عبارة :(له في ذمته مبلغ»، ولا على مجرد القول (أخذ مالي ولم يرجعه)، التفاصيل هي التي تصنع الفارق: لماذا سُلّم المال؟ كيف حصل عليه؟ ما الذي قيل قبل تسليمه؟ وهل كانت تلك الوقائع حقيقية؟ وماذا حدث للمال بعد ذلك؟، فالحد الفاصل بين الدين والاحتيال وخيانة الأمانة قد يبدو رفيعًا أحيانًا، لكنه مهم جدًا؛ لأن لكل واحدة منها طبيعة قانونية مختلفة وطريقًا مختلفًا في المطالبة والإثبات، ولهذا، قبل أن نسأل 🙁هل سدد أم لم يسدد؟)، ربما يكون السؤال الأهم:كيف وصل المال إليه من الأساس؟

