في كثير من القضايا، ينشغل الخصوم بجمع العقود، والبحث عن الشهود، وإحضار التقارير والقرائن لإثبات حقوقهم، بينما قد تكون كلمة واحدة كافية لحسم النزاع بأكمله.
لهذا لم يكن غريبًا أن يصف الفقهاء الإقرار بأنه سيد الأدلة، لأنه يصدر من صاحب الحق عليه، فلا يحتاج غالبًا إلى إثبات ما اعترف به.
قد يكتب شخص رسالة يقول فيها، المبلغ في ذمتي، أو يوقع على ورقة تفيد باستلام مبلغ معين، أو يقر أمام المحكمة بواقعة محددة، وهو لا يدرك أن هذه العبارات قد تختصر سنوات من التقاضي، وتصبح دليلًا يحتج به ضده.
لكن الإقرار، رغم قوته، ليس مطلقًا، فالنظام لا يعتد بكل قول يصدر عن الإنسان، وإنما يشترط أن يكون الإقرار صادرًا من شخص كامل الأهلية، وواضحًا، وبإرادة حرة، وأن يكون متعلقًا بحق يجوز الإقرار به نظامًا، ولهذا فإن الادعاء بالإكراه، أو انعدام الأهلية، أو غيرها من الأسباب، قد يغير من أثر الإقرار متى ثبت ذلك أمام القضاء.
وفي الواقع العملي، لا يدرك كثير من الناس أن الإقرار لم يعد يقتصر على مجلس القضاء أو الأوراق الرسمية، بل قد يصدر في رسالة هاتف، أو بريد إلكتروني، أو حتى في محادثة إلكترونية، لتتحول كلمات كُتبت على عجل إلى دليل قانوني قد يُبنى عليه الحكم.
إن الوعي القانوني لا يبدأ عند باب المحكمة، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عند كل توقيع، وكل رسالة، وكل عبارة يظن صاحبها أنها لا تتجاوز كونها حديثًا عابرًا.
فقد تكون كلمة واحدة، أقوى من ملف كامل من الأدلة.

