نزع الملكية.. مقاربة أكثر اتزانًا بين “المصلحة العامة” وحق الفرد
ليس حق الملكية في الدولة الحديثة حقًا مطلقًا، كما أن “المصلحة العامة” ليست عبارة تُستدعى لتجاوز الضمانات. وبين هذين الاعتبارين تتشكل واحدة من أكثر المسائل حساسية: نزع ملكية العقارات للمصلحة العامة ووضع اليد المؤقت. ومع صدور النظام الجديد في المملكة، تبرز الحاجة لقراءة هادئة تُبين ما الذي تغيّر مقارنة بالنظام السابق، دون تهويل أو تهوين.
أول ما يلفت في التوجه الجديد أنه يبدو أقرب إلى منطق “تقليل اللجوء للنزع” متى أمكن، عبر إبراز أهمية البحث عن بدائل تحقق الغرض العام قبل المساس بالملكية الخاصة. هذه الفكرة، وإن كانت معروفة في الفقه الإداري كمبدأ عام، إلا أن إظهارها بصياغة تنظيمية أدق يعزز رسالة مفادها أن النزع ليس الخيار الأول، بل إجراء استثنائي تُقدّره الضرورة وتضبطه الضمانات.
ثم يأتي محور التعويض، وهو جوهر التوازن بين سلطة الإدارة وحقوق الأفراد. النظام السابق رسّخ آلية اللجان والتقدير وما يتبعها من مراجعات وتظلمات، وكان ذلك يوفر إطارًا مؤسسيًا للتعويض. أما النظام الجديد فيُفهم من توجهاته أنه يميل إلى تقريب التعويض من معيار السوق مع معالجة أثر النزع ذاته، بما يجعل التعويض أكثر وضوحًا وأقل قابلية للنزاع من الناحية العملية، إذا ما اقترن بمنهجيات تقييم معلنة وموحدة.
وفي هذا السياق، يُلاحظ إدراج “زيادة على التعويض” بوصفها عنصرًا من عناصر جبر الضرر، بحيث لا يقتصر التعويض على القيمة السوقية فحسب، وإنما يضاف إليه مقدارٌ إضافي يعكس خصوصية نزع الملكية باعتباره إجراءً استثنائيًا. وتبرز هنا الإشارة المتداولة في ملخصات النظام الجديد إلى زيادة بنسبة (20%) من القيمة السوقية في حالات النزع، وكذلك زيادة مماثلة في بعض صور وضع اليد المؤقت مرتبطة بأجرة المثل. وهذه الزيادة—من حيث الفكرة—تسهم في ترسيخ عدالة التعويض؛ لأنها تعالج جانبًا لا تعكسه “القيمة السوقية” وحدها، مثل أثر الانتقال المفاجئ وتكاليف إعادة التوطين وفوات فرص الانتفاع. ومع ذلك، تبقى القيمة العملية لهذه الزيادة مرتبطة بوضوح ضوابط احتسابها وسرعة صرفها واتساق تطبيقها بين الجهات.
وفي مسألة وضع اليد المؤقت—وهي مساحة كثيرًا ما تتولد عنها إشكالات عملية—فالتوجه يميل إلى التأكيد على التعويض وفق أجرة المثل وما يقاربها من ضمانات، باعتبار أن تقييد الانتفاع، ولو مؤقتًا، يظل مساسًا بالمنفعة الاقتصادية للمالك يستدعي جبرًا عادلاً ومنضبطًا.
ومن زاوية الحوكمة، يظهر فرق مهم في السعي إلى توحيد الإجراءات وتقليل التفاوت بين الجهات. النظام السابق وضع الإطار العام، لكن التفاصيل التنفيذية كانت تتفاوت في التطبيق بحسب الجهة والمشروع، ما يفتح بابًا لخلافات إجرائية. أما في النظام الجديد، فالنزعة تبدو إلى تنظيم المسار الإجرائي بدرجة أوضح، بما ينعكس—عند حسن التطبيق—على رفع الشفافية وتسهيل معرفة المالك لحقوقه وخياراته منذ بداية الإجراء.
ويبقى أن نجاح النصوص لا يكتمل إلا بفعالية التنفيذ: دقة تقييم القيمة السوقية، استقلالية أدوات التقدير، وضوح الإشعارات، وسرعة صرف التعويض. فهذه العناصر هي التي تُحوِّل “الضمانة” من مبدأ مكتوب إلى حماية محسوسة.
الخلاصة أن النظام الجديد يتجه—في المجمل—إلى مقاربة أكثر اتزانًا: تقليل النزع متى توفر البديل، تعزيز وضوح التعويض وربطه بمعيار أقرب للسوق، وإضافة “زيادة تعويضية” تُكمل جبر الضرر، مع تدعيم الانضباط الإجرائي. وهو اتجاه يرسّخ قاعدة مهمة في القانون الإداري: المصلحة العامة تُقدَّم، لكن عبر مسار مشروع، وتعويض عادل، وضمانات قابلة للتفعيل.


No comment